المقريزي

63

المقفى الكبير

الأطفال المرتّبين لقراءة القرآن بها في مكتب السبيل إذا مسحوا ألواحهم يصبّون الماء الذي غسلوها به من كتابة القرآن الكريم على قبره تبرّكا بذلك . ومن عظمته في النفوس أنّ الشجاعي صادره وأراد ضربه وجرّده من ثيابه فلم يمكنه أحد من أهل مجلسه أن ينزع قميصه . فلمّا ضرب من فوق القميص سوطا واحدا ، لم يزالوا به حتى خلّى عنه . هذا مع عتوّ الشجاعي وجبروته وقوّة تمكّنه . وكان سبب ذلك أنّه كان كثير الاقتناء للخيل فاشترى حجرة بنحو ثلاثة آلاف درهم ، وبعث إلى الأمير قلاوون يطلب منه فحلا له يعرف بالجاموس كان عزيزا عليه لينزيه على الحجرة فبلّغه القاصد ذلك وهو بين مماليكه وذلك في الأيّام الظاهريّة فشقّ عليه ذلك وقال : قل له : صار قلاوون عندك [ . . . ] - وحقدها عليه حتى صار إلى السلطنة . فتقدّم إلى الشجاعيّ بمصادرته . ولمّا عرّاه ليضربه قال : إن كان الضرب بسبب المال فالمال عندك . قال له : وشيء آخر أفكّرك فيه يا مولانا نسيته ، أنت تذكر طلبك الفحل الجاموس [ . . . ] « 1 » . ومن عظيم سيادته أنّه كان لا يشير في بيته بشيء ولا يتكلّم مع أحد من خدمه . بل كلّ ما تدعو الحاجة إليه يقع على وفق مراده . وإذا مدحه شاعر تناول مديحه بيده ووضعه بجانبه فيحضر في الحال الخادم ومعه مبلغ مائتي درهم أو تفصيلة من غير أن يتكلّم و [ لا ] يشير بيده ولا بطرفه . وأضاف جدّه مرّة ضيافة تأنّق فيها وبالغ في تحسين سائر ما عمل بها . فلمّا عاد جدّه إلى داره أخذ الناس عنده يتعجّبون من همّة الصاحب تاج الدين وكرم نفسه . فقال لهم الصاحب بهاء الدين : ليس هذا بعجيب لأنّ نفسه كريمة ومكنته واسعة . والعجب العجيب كونه طول هذا النهار [ ومع ] كثرة ما أحضره من المشروب والمأكول ، ما بين طعام وفاكهة وحلوى وغيرها على اختلاف الأنواع ، ما قام من مكانه ، ولا استدعى خادما فأسرّ إليه ولا أشار بيده ولا بعينه ، ولم يأت أحد من خدمه إليه ولا أشار له . فقال بعضهم : وما يتعجّب منه أنّ الناس مع كثرتهم لم يشرب أحد منهم إلّا ماء باردا عامّة النهار مع شدّة الحرّ . فسئل عن ذلك فيما بعد فقال : اشترينا خمسمائة كوز وبعثنا بها إلى الجيران فبرّدوها تحت البادهنجات « 2 » . وكان له رجل مرتّب معه حمام [ كحمام البطائق ] مدرّب ، فإذا خرج من باب القلعة سرّح الحمام فسقط على داره فيهيّئ أهله الملوخيا والططماج ونحو ذلك من الأطعمة ، بحيث إذا قدم وجد الطعام ممدودا على السماط . ومدحه جماعة من الشعراء كالسراج الورّاق وابن دانيال وغيره . ومن شعره [ الطويل ] : توهّم واشينا بليل مزارنا * فجاء ليسعى بيننا بالتباعد [ 62 أ ] فعانقته حتى اتّحدنا تلازما * فلم ير واشينا سوى فرد واحد وقوله [ السريع ] : للّه في الأحوال لطف جميل * فاغن به عن ذكر قال وقيل

--> ( 1 ) هذا الكلام جاء في الطرّة وهي متآكلة ، فلم نستطع قراءتها كاملة . ( 2 ) بادنج وبادهنج : أنبوب يتّخذ للتهوئة والتبريد ( دوزي ) ، وهنا يبدو أنّها إنفاق تحت الأرض .